ابن حزم
444
الاحكام
من قبله تعالى ، بإيجاب ما أوجب أو تحريم ما حرم . وأما المأمور به فهي حركاتنا وأعمالنا من صلاة وصيام وإقامة حد وغير ذلك ، فصح ما ذكرنا نصا ، وبالله تعالى التوفيق . فصل وقد تشكك قوم في معاني النسخ والتخصيص والاستثناء ، فقوم جعلوها كلها نوعا واحدا . قال أبو محمد : وهذا خطأ لان النسخ هو رفع حكم قد كان حقا ، وسواء عرفنا أنه سيرفع عنها أو لم نعرف بذلك وقد أعلم الله تعالى موسى وعيسى عليهما السلام أنه سيبعث نبيا يسمى محمدا بشرائع مخالفة لشرائعهما ، فهذا نسخ قد علمنا به ، وأما التخصيص : فهو أن يخص شخص أو أشخاص من سائر النوع ، كما خص عليه السلام بفرض التهجد ، وإباحة تسع نسوة وكما خص أبو هاشم وبنو المطلب بتحريم الصدقة ، وأبو بردة تجزئ عنه الجزعة في الأضحية . وأما الاستثناء : فهو ما جاء بلفظ عام ، ثم استثني منه بعض ما يقع عليه ذلك اللفظ . كقوله تعالى : * ( إلا على أزواجهم ) * وما أشبه ذلك . إلا أن التخصيص إذا حقق فيه النظر فهو استثناء صحيح ، والفرق بين النسخ والاستثناء هو أن الجملة المستثنى منها بعضها ، ولم يرد قط تعالى إلزامنا إياها بعمومها ، ولا أراد إلا ما بقي منها بعد الاستثناء . وأما النسخ : فالذي نهينا عنه اليوم قد كان مراد منا بالأمس بخلاف الاستثناء . وبالله تعالى التوفيق . فإن قال قائل : إن النسخ استثناء الزمان الثاني من إطلاق الفعل على التأييد ، قيل له وبالله تعالى التوفيق : ليس هذا مما نجعله مع الاستثناء المطلق نوعا واحدا لما ذكرنا من أن المستثنى لم يرد قط منا بوجه من الوجوه ، وأن المنسوخ قد كلفناه ، هذا فرق ظاهر بين ، فإن كان هذا المخالف يريد أن يقول : إن النسخ نوع من أنواع الاستثناء ، لان استثناء زمان تخصيصه بالعمل سائر الأزمان لم نأب عليه ذلك ، ويكون حينئذ صواب القول : إن كل نسخ استثناء وليس كل استثناء نسخا . وهذا صحيح .